التواصل العامي وأثره في ضعف الاكتساب اللغوي


تقارير خاصة

التواصل العامي وأثره في ضعف الاكتساب اللغوي

إدريس بوحوت
من القضايا والإشكالات المثارة، مؤخرا، في كثير من المنابر الإعلامية والتواصلية، بمختف أشكالها، قضية اللغة التي أثيرت حولها نقاشات، ومن رؤى ومقاربات متعددة؛ منها ما يدعو إلى تجاوز اللغة واستبدالها بالعامية أو الدارجة، بدعوى المعاناة التي يعانيها المتعلمون المغاربة مع المناهج والبرامج التربوية الخاصة باللغة العربية، نظرا لتعقدها وصعوبة اكتسابها، بله عدم ملاءمتها، وقصور وظيفيتها؛ ومنها ما أخذ طابع النقد والدحض للمقاربة السابقة.
ونتيجة لهذه المقاربات، استنحتت مفاهيم جديدة، على غرار باقي القضايا المستحدَثَة والمستأثِرة بالنقاش، من قبيل التلهيج، واللهجة المغربية، والدَّرجنة، والدارجة، والعامية، واللغة المغربية. .؛ حتى أصبحت كل هذه المفاهيم تمثل الطرف الأول في معادلة المسألة اللغوية، مقابل اللغة العربية الفصيحة، التي تمثل الطرف الثاني في هذه المعادلة.
والجدير بالاهتمام، في نظري، ليس المقاربة الرياضية لفك هذه "المعادلة اللغوية"، لأن الأمر لا يتعلق بالرديء والجيد، ولا الصالح والطالح، ولا حتى الإقصاء لطرف من المعادلة لصالح الطرف الآخر، بل الأسئلة الجوهرية التي يجب التعاطي معها، هي متى ينبغي التواصل باللسان الدارج؟ ومتى يجب احترام اللغة العربية والتواصل بها؟ وهل فعلا أن مقولة تدني التحصيل الدراسي، وضعف مخرجات المنظومة التربوية، بسبب اعتماد اللغة العربية في التدريس، مقولة منطقية ومؤسس لها، أم أنها مجرد لغو وزعم يصدران عن خلفيات مستترة تفتقر الجهات التي تتبناها إلى جرأة الإعراب، وشجاعة الاعتراف والكشف عن جذورها التاريخية الإمبريالية، وأبعادها الإيديولوجية والفلسفية التي لا تمثل فيه هذه المقولة إلا الجزء العلوي من الجبل الجليدي، البادي للعيان، والقابعة جذوره في أعماق التاريخ، وبداخل كيان حاملي تيار الدرجنة؟
والجواب الجريء عن هذه التساؤلات، مع كامل التجرد من كل النوازع، والخلفيات الإيديولوجية، سيزيح الستار، ويكشف الحقيقة، ويجعل الوشائج تتقوى، بدل الصراع المفتعل بين تيار "الدرجنة" واللغة العربية. أو لنقل بين "الدعاة والنفاة"؛ وبذلك يحصل الاعتراف؛ فتوضع الأمور موضعها المناسب، ونسمي الأشياء بأسمائها، ونوظف كل أمر لغرضه، وكل لسان لمقصده.
فالتواصل باللسان الدارج داخل الأسرة، وفي باقي الفضاءات العمومية غير المنظمة، قد لا يضر بالمتواصلين به. لكن أن نسعى وندافع عن "لهجنة" البرامج الدراسية التي تدرس باللغة العربية فهذه جريمة جسيمة في حق هذه المواد، وأعني جميع المواد المدرسة باللغة العربية، في جميع الأسلاك التعليمية، هذا من جهة، وظلم للمتعلمين والطلاب، من جهة أخرى.
فحتى نفهم التراث الحضاري والثقافي عند الغرب، بنوعيه، الفرنكفوني والأنجلوسكسوني، لابد من إتقان لغته، لغتان على الأقل، الفرنسية والإنجليزية، والتواصل بهما. وإلا ستظل الهوة قائمة، والجهل به سمة لازمة لنا، والتواصل الحضاري منعدما بيننا وبينهم.
إذا صح هذا في ضرورة التواصل باللغة الفرنسية أو الإنجليزية ـ وهو أمر يدعو به الكل، منهم تيارالدرجنة ــ لتحقيق الكفايات التواصلية لدى المتعلمين، لفهم التراث الغربي، ولتحقيق الاندماج السوسيو اقتصادي، فالأمر نفسه ينسحب على اللغة العربية بشكل آكد وألزم، وإلا كانت كل دعاوى الداعين إلى "الدرجنة في التعليم" متهافتة وواهية، عقلا وواقعا. وكيف يفهم المتعلمُ، والجيلُ الصاعدُ المراهَنُ عليه لتنمية وطنه، إذا لم يتشرب بخصوصيات هذه الوطن، ويعتز بانتمائه وهويته، أسسَ دينه الحنيف، ومبادئَ العقيدة السمحة، إذا لم يُمَكَّن من آليات التواصل اللغوي التي يستعين بها في فهم النص القرآني المقدس، والنص الحديثي الشريف، والكلام العربي الفصيح، شعره ونثره؟ّ!
إذا، فالمسألة اللغوية مسألة مجتمعية بالأساس؛ لكونها تختزل هوية الإنسان، وتعكس تاريخه وحضارته، كما أنها تمثل رمزية الفخر والاعتزاز بالنسبة له؛ لذا فكل مساس بها ضمنا أو تصريحا، سرا أو علنا، يخدش بكل هذه الخصوصيات، ويُنَقِّصُ من قيمة اللغة نفسها، أساسا، وبالمجتمع ومميزاته اللغوية والفنية والجمالية، تبعا. والمجتمع المغربي مجتمع يعترف بالتعدد اللغوي المبني على مراعاة الخصوصية، والقائم على التكامل، والتعايش، وليس الإقصاء والتضاد.
والتمادي المبني عن التعصب وفكر الإقصاء، للغة ما على حساب لغة أخرى، والسعي الأعمى في "درجنة" المواد الدراسية السالفة الذكر، سعي يرتد بالمنظومة التربوية المغربية إلى الوراء آلاف السنين، كما أنه زعم واه، وتنظير أجوف، وخوار يبدد الجهود والاجتهادات الجادة في إنقاذ المنظومة التربوية المغربية.
والأخطر في مثل هذه المساعي الجوفاء، هو قتل المواهب اللغوية المفتقة عند المتعلمين، والقدرات التواصلية في اللسان العربي المشهود بها للمغاربة قديما وحديثا؛ والقضاء عن القابلية اللغوية لدى المتعلمين، والمهارات التي يتميزون بها، تجعلنا في مأزق أشد خطورة؛ إنه مأزق "الفقر اللغوي" لدى الناشئة، "وتلويث الذوق" اللغوي السليم لديهم، بسبب نهج "درجنة" الأفصح والفصيح. وهذا تلوث وتلويث لبيئة طيبة طاهرة معطاءة قد لا يأبه به "حماة البيئة وأصدقاؤها"!!
ذلك أن الذوق السليم يجعل المتواصل باللغة العربية يستمتع بالكلمة الساحرة التي وظفت توظيفا حسنا، وأخذت مكانها في النسق التواصلي، وانتظمت في عقدها المناسب، دونما نشاز أو تنافر، كما تستمتع الحسناء، وتزداد رونقا وبهاء بعقدها النفيس الذي صيغ صياغة متقنة، ونظمت حباته بكل عناية وإتقان.
ولا شك أن إدخال أي عنصر غير منسجم مع الوصف المميز لهذا العقد، يؤدي إلى تشويه العقد ومن يتحلى به. ونفس الأمر يقال عن اعتماد اللسان الدارج في تدريس ما يجب تدريسه باللغة العربية. بل إن الأمر نفسه ينسحب على باقي اللغات الأجنبية في حالة "تدريجها" أو "تمزيغها"، مما يسقطنا في اشتقاقات هجينة، من قبيل "العرنسية" مثلا؛ مع أن التواصل بهذه اللغات الثلاث، وغيرها، في مقامات تواصلية، وفي التنظيمات الاجتماعية الأخرى، غير المدرسة، أمر محمود ومستحسن.
وبهذا الاعتبار يمكن فهم التعدد اللغوي الذي تزخر به الثقافة المغربية، كما ينص عليها الفصل الخامس من الدستور المغربي الجديد، دستور 2011. ومن خلال هذه الرؤية أيضا، ندرك مدى تهافت الدعوة الرامية إلى التدريس بالتواصل العامي داخل المدرسة العمومية؛ وإلا سقطنا، من الناحية الفكرية والحضارية، في تدمير جميع اللغات التي يزخر بها المغرب، ووقعنا بالتبع في العراء الثقافي، والهوياتي، وانسلخنا من جلدنا الذي يقي الخصوصية، ويحمي الكيان المغربي. كما قد يؤدي ذلك، من جهة أخرى، إلى ضرب المكتسبات الحقوقية، والاختيارات الديموقراطية التي تضمنها الدولة للشعب المغربي والتي "تسهر على انسجام السياسة اللغوية والثقافية الوطنية" بنص الدستور.
وعبارة "انسجام السياسة اللغوية. .. " الواردة في الفصل الخامس من الدستور لها دلالات عميقة لمن أوتي حسن الفهم. فهي توحي بالتعايش، والتناغم، والتكامل، والاتساق؛ وهي أشبه بالفسيفسائية، لا ترقى إلى مستوى الذوق والجمالية إلا في إطارها الشمولي؛ أما أن نوظف شكلا منها في مكان غير مكانه المناسب، أو نقصي مكونا على حساب الآخر، فلا شك أن ذلك سعي في تشويه الجمالية في القطعة الفسيفسائية، ومدعاة للعبثية واللامعنى، وضرب للتنوع نفسه، وخرم لإمكان الانسجام المنشود ذاته.
ولهذا فإن دعوى "التدريج" وسيلة تسهم في استفحال البيئة الفاسدة المشار إليها سلفا، والتي يتحمل آثارها السيئة المدرسون والمتعلمون على السواء، بيد أن الفرق بينهما، هو الوعي واللاوعي. فالمدرس الكفء يعي ويعاني من "الوباء" الذي يجتاح الفصل الدراسي، وليس في اللغة العربية فقط، بل في كل اللغات المدرسة؛ والمتعلم ضحية قد لا يعي خطر هذا "الوباء" حتى يوضع في المحك الحقيقي الذي يتطلب منه كفاية لغوية بعينها، فيستشعر "الفقر المدقع" الذي يعاني منه، فتجده مسكينا لا حول له ولا قوة أمام أمر الواقع.
وبناء على ما سبق، ندعو "أصدقاء البيئة وحماتها" لتضافر الجهود قصد إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والدعوة إلى احترام الأذواق اللغوية السليمة لدى المتعلمين والطلاب المغاربة. ثم الاتصاف بالجرأة والشجاعة لتجريم كل مفسد يسعى في "إفساد البيئة اللغوية السليمة"، ويعمل على إعاقة المنظومة التربوية المغربية، والإساءة إلى مناهجها، وإفشال برامجها. مع بيان أن التواصل الدارجي أمر مطلوب في محله المناسب، ودعوة ظالمة، وجريمة في حق المتعلمين إذا اعتمد بنية المزاحمة، وبدعوى الإقصاء.
باحث في التواصل وقضايا التربية


اضيف يوم  الجمعة 24 يناير 2014 الساعة 15:47
الرابط الأصلي : http://hespress.com/permalink/118331.html


المزيد في :تقارير خاصة


حالة الطقس